الصدق في النص الدرامي يبدو من لحظة العمل الأولى ينقل المشاهد إلى منظقة أخرى يمش قلبه ويجعله يتعلق بالعمل ولا يستطيع أم يذهب بمحرك الشاشة بعيدا، وعبد الرحيم كمال واحد من اسطوات الاعمال الدرامية خلال العقدين الأخيرين منذ بدايات أعماله التليفزيونية وهو يحفر لنفسه طريقا متبعا طريق الكبار أسامة أنور عكاشة، محفوظ عبد الرحمن، يسري الجندي، محمد جلال عبد القوى، وحيد حامد، صفاء عامر، وغيرهم من الذين أقاموا صرحا كبيرا أسمه الدراما المصرية، ويعود عبد الرحيم هذا العام بدراما إنسانية متميزة تغوص في أعماق أحلام جيل من المبدعين الذين ضاعوا في مجتمع يقتل المواهب والإحلام، وعلى مقهي محطة مصر الرئيسية في ميدان رمسيس وسط المدينة يقدم لنا فئات المجتمع المصري بكافة أنواعه، دراما المكان الواحد يقدمها وكأنه يقول لها أن هذه المقهي هي الوطن بأحلامه وشعبه، بمبدعيه وآلام أبنائه المهمشين الذي يتحكم في أوجاعه وأحلامه الملك.
مقتل الحلم
مؤمن الصاوي بطل العمل أبن الصعيد المصري الموهوب الهابط إلى القاهرة في قلبه كل أحلام الشباب في التألق وهزيمة المدينة القاهرة، ومنذ اللحظة الأولى تسرق المدينة القاسية متاعه، وكأنها تقول له "استفق فأنا لست كما تتخيل" وكما يقول مؤمن كأنها اللطمة الأولى له من سبعة لطمات مستعيدا الفيلم المصري (عنتر ولبلب)
لم تكن اللطمة تلك على وجه المبدع الحالم فقط على وجوه كل الحالمين، وكم من المواهب والمبدعين الذين عايشتهم فيها تعرضوا لسرقة أحلامهم وآمالهم، شعراء، أدباء، مفكرين، فنانين، مواهب في كل المجالات، منهم من أكتئب، من رحل، من نحر، ومن انتحر يأسا وآلما، كأن عبد الرحيم كمال ومخرجه المبدع إسلام خيري يرثيان جيلا بأكمله، صادفنا أو عايشنا وكنا أفرادا منه.
مؤمن الصاوي لا ينهزم بسهولة تعلو وجهه ابتسامة دائمة كان يظنها قادرة على هزيمة المدينة القاسية على أهلها قبل غربائها، ومن أول حلقات العمل يقتل الشاب مؤمن الصاوي الذي يظن نفسه النجم الجديد في سماء القاهرة والقادر على أن يعيد الفن إلى رسالته، هكذا وقبل أن يتنفس المشاهد يلطمه عبد الرحيم كمال (لا تحلم، لا تبدع، لا تحاول لأن تغير) فالواقع موبوء لم يعد كما كان أو كما تظن.
وتبدأ رحلة البحث عن قاتل مؤمن أو قاتل الحلم، مؤمن الأسم ذو دلالة كبيرة فنهاك إيمان بالقدرة والإبداع، وفي المجتمع المحيط بالصعيدي القادم بأحلامه يقدم لنا المؤلف نماذج تمثل الشعب المصري، وعلى الحواف تتشابك أحوال صاحب المقهى، عماله، ورواده ومجتمعهم مع حكاية الغريب القتيل في وسط المقهى عندما انقطعت الكهرباء لمدة دقيقتين، والقتيل لم يكن استقر في مكانه.
يبدأ ضابط المباحث في البحث عن القاتل، ويصبح كل من بالمقهي محل إتهام ليستعرض لنا التحقيق هؤلاء الذين يجلسون على المقهى أو يعملون بها، ومحيطها من الباعة الجائلين، أو أصحاب الأعمال الهامشية حولها، قدم لنا الكاتب نماذج تصلح كل منها أن تكون محور حلقات ولكن أسلام خيري، وكمال استطاعوا أن يقدموا هؤلاء جميعا في أيقاع درامي تلهث وراءه لتعرف حكاية كل فرد منهم.
صاحب المقهي الذي التقط طفلا تائه من أهله واتخذه ولدا لأنه لا ينجب، وعندما يرزق ولدا لا يبحث عن أهل الطفل بل يكمل مشواره معه، المدهش أن يكون الغريب الأكثر علما وأخلاقا من أبنه الحقيقي، عمال المقهى أحدهما مجهول الأسم والهوية حتى أنه لا يمتلك بطاقة هوية، والأخر رب أسرة تحتاج أبنته إلى نقل كلية ولا يمتلك ما يستطيع علاجها فيحتال على فقير أخر ليبتاعه كليته مقابل مبلغ زهيد، ويستعرض العمل بهذا الشكل الكثير من الشخصيات المهمشة في المجتمع وأحوالهم.
النموذج الأقرب لشخصية مؤمن الصاوي (الحلم المقتول) هو شخصية محمد نجم الكاتب الدرامي الذي جاء إلى القاهرة من أحد مدن الدلتا ليكون كاتبا دراميا وسينمائيا كبيرا مبدعا، ولكن أحلام محمد تتحطم على صخرة واقع إنتاج درامي وسينمائي يأخذ السهل والبسيط ولا يعترف بالمبدع المثقف صاحب الرؤية.
يعيش محمد على سطح أحد بنايات وسط المدينة، لا يملك أيجار الغرفة التي يقطنها، ويجلس على المقهى طوال الوقت يكتب أعماله التي لا تنتج، ويرصد رواد القهوة ويكتب حكاياتها أعمالا، وكأن عبد الرحيم يكتب جزءا من تجربته، أو تجارب بعض أصدقاءه ممن عايشهم، وحين يسأل مؤمن صديقه : لماذا لم تعد إلى مدينتك، فيقول له محمد نجم : أن القاهرة دهسته ولم يعد بداخله من الأحلام ما يجعله يهرب بها، وفي مشهد أخر على سطح البناية ينظر مؤمن إلى السماء ثم يقول : سماء الصعيد والقرى تستطيع أن ترى فيها القمر والنجوم، أما القاهرة فالأنوار وأضواء الإعلانات قتلت السماء فلا يظهر فيها لا قمر ولا نجوم.
النص والإخراج
غاب عبد الرحيم كمال في النصف الأول من موسم رمضان الدرامي الذي قدم خلاله ما يقرب من 40 عملا دراميا، كان نصيب الأعمال الجيدة فيهم ما يقارب 10 أعمال وهو رقم جيد مقارنة بالمواسم الأخيرة، وجاءت (قهوة المحطة) في النصف الثاني من رمضان في عودة أيضا إلى الأعمال القصيرة التي لا تتعدى 15 حلقة هذا جعل الأعمال تتميز بإيقاع سريع مثلما شاهدنا في النص وهو من الأعمال الجيدة التي قدمت في النصف الأول، وظلم المصاطب الذي عرض في نصف الشهر الأخير، وهما من الأعمال التي حازت على إشادات كثيرة، ولنا عودة مع العمل الدرامي (النص) للموهوب أحمد أمين.
يعود كمال في نص اجتماعي بعد تجربته في الحشاشين العام الماضي والذي أراه بعيدا عن مستوى وتألق عبد الرحيم كمال الدرامي الذي استعاده بكتابة هذا النص الملهم الذي يقدم لنا شخصيات مصرية واقعية كأنها نحن نتحرك على شاشة أبدعها المخرج الشاب إسلام خيرى الذي يتمتع بثقافة وفكر عال، أن أفضل تعبير وجدته يتردد داخلي طوال مشاهدة (قهوة المحطة) أن عبد الرحيم كمال يكتبنا أو يكتب حياة المصريين بلغة راقية تقترب من النص الإدبي الروائي وتلك أحد مزايا نصوص عبد الرحيم كمال.
استطاع إسلام خيري في عمله الدرامي العاشر أن يصل لمرحلة النضج الفني من خلال هذا الإيقاع الفريد في هذا العمل لم يشعرك بأي لحظة أن هناك مللا أو أيقاع بطيء وتلك نقطة تحتاج إلى مخرج يمتلك أدواته بشكل جيد وكما يقول مخرج الواقعية المصري صلاح أبو سيف أن المونتاج هو العمل الدرامي.
كانت لمسة فنية راقية من المخرج التقاطه تلك الإغنية الجميلة لعبد الرحيم منصور والملحن صاحب البصمة الفنية الراقية أحمد منيب (يا وعدي على الأيام) لمقدمة العمل وبصوت منيب الذي يوحي بالأصالة والعمق، أما الصورة في تتر العمل فكانت باستخدام صور مرسومة للشخصيات والبطل وجغرافيا المكان.
فريق يعيد الثقة للتمثيل
أهم ما يميز العمل هو أعادة الأكتشاف للكثير من الممثلين الموهوبين وتألق أخرين من كبار الممثلين فكان أعادة أكتشاف لمحمد الصاوي الذي قدم شخصية الأب المكلوم في فقدان أبنه صغيرا ويطمع شقيقه في ميراثه وبلا كلمة واحدة يقدم الصاوي واحدا من أهم أعماله الفنية، وبجوار الصاوي علاء مرسي والد مؤمن الصاوي بطل العمل والذي يفقد أبنه مقتولا، هناك أيضا الفنان الذي قدم شخصية معلمه في القرية والذي كان يمثل معه في مسرح الثقافة الجماهيرية، وفي مشاهد قليلة يقدم سليمان عيد دورا من ادواره المهمة.
تألق في العمل رياض الخولي في شخصية الملك الذي يحرك الشخصيات ويتحكم فيها مستغلا اوجاعهم ومشاكلهم بالسيجار الفخم يبيع ويشتري فيهم وكما قال مؤمن عنه "شخص ذو وجهان ما يظهر منه غير ما يخفي) هالة صدقي في دور مرسوم بعناية شديدة، أعادة اكتشاف لعلاء عوض في دور عامل المقهي المقهور بمرض طفلته التي ستموت إن لم تحصل على كلية، أحمد علاء أو محمد نجم الذي ضاعت أحلامه ككاتب في القاهرة فصار مسخا يحاول أن يسترجع بعضا من الحلم مع مؤمن.
الممثلة انتصار قدمت دورا كبيرا للأم الصعيدية زوجة المعلم التي تعاني من فساد أبنها الحقيقي، بيومي فؤاد قدم دور عمره المعلم رياض صاحب المقهى الذي يعيش أواخر أيامه، لقد إبدع إسلام خيري في تسكين فريق عمله,
جاء تألق حمد غزي في دور مؤمن الصاوي ببشاشة الوجه المبتسم أبتسامة الثقة في هزيمة المدينة صاحب الوجه الطائر المتطلع دائما إلى السماء، صاحب الوجه الأسمر فهو يؤكد أن هناك موهوب ومبدع يولد في القاهرة كل يوم.
بالجوار كان تألق أحمد خالد صالح في دور ضابط المباحث المحقق الباحث عن الحقيقة، والذي يسير بخطوات واثقة على طريق والده النجم الراحل خالد صالح صاحب الموهبة المبدعة، ضياء عبد الخالق رفيق خالد صالح في التألق والموهبة وقدم شخصية خليفة ذات المشاعر المتباينة وقدم مشاهد رائعة خاصة مشهد هروب زوجته، ولحظة قتله للصورة المرسومة لها، ومشهد استخراجه الصورة من قبرها داخل المنزل.
الواقع أن قهوة المحطة يعيد الثقة في الدراما المصرية، لقد جعلنا عبد الرحيم كمال وإسلام خيري نرى أنفسنا أحلام وآلام على الشاشة وبيقين وإبداع قال لنا إسلام خيري أن مصر قادرة على الأبداع القوي وأنها قادرة على العودة.
المصدر : الجزيرة مباشر نت
تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق