معصوم مرزوق يكتب : الحرب القادمة ضد إسرائيل


كشفت العمليات العدائية الوحشية التي يقوم بها الكيان الصهيوني مؤخرا ، زيادة ملحوظة في حدة واتساع منهج " الرعب والتدمير " ، ووصوله إلي حدود غير مسبوقة ليس فقط في الصراع العربي الصهيوني ، وإنما في أساليب وقواعد الحرب التي تعارفت عليها البشرية منذ انتهاء الحرب العالمية الأولي .  

قلنا كثيرا أن الحرب ليست نزهة ، وإن الحرب والدبلوماسية صنوان لا يفترقان ، فكل حرب يسبقها ويتخللها ويتلوها دبلوماسية ، وقد يحقق الجنود نتائجاً باهرة في ميادين القتال ، وتخذلهم الدبلوماسية فلا يرقي مستواها لمستوي الآداء القتالي ، وقد تنتصر الدبلوماسية وحدها دون إطلاق رصاصة واحدة ، إلا أن الحرب وحدها لا تحقق أهدافها دون دبلوماسية مناسبة.

وأهم مبدأ ينبغي التمسك به في كل الظروف 

هو " ألا تتورط قوات نظامية في أعمال عدائية يقرر العدو توقيتها ، مع ترتيب قواعد إشتباك مناسبة تتدرج من إجراءات سياسية ودبلوماسية ، مرورا بقيود وإجراءات إقتصادية عقابية مخططة ، ونشاط إعلامي موجه ، وصولا إلي اعمال تعرضية لا تصل إلي حد الإشتباك الشامل إلا حين اكتمال الخطط التعبوية والإستراتيجية اللازمة "!و

ومثل العمليات الحربية فأن العمل الدبلوماسي يشتمل علي دراسة أرض العمليات والعدو ومقارنة القوات والأسلحة ( أو مقارنة نقاط القوة والضعف في إمكانيات القوة الشاملة ) ، وبحث مجال المجهود الرئيسي ، وتقدير الموقف وإعداد الخطط والبدائل المختلفة .. إلخ .

أن ذلك التطور الهمجي في منهج العمليات الحربية الإسرائيلية يفرض علي اركان حرب جيوش المنطقة إعادة النظر في خطط الحرب المحتملة مع ذلك الكيان ، من خلال وضع إستراتجيات مناسبة سواء للردع أو للعمليات العسكرية المقبلة .

الخطورة في الحالة الماثلة ، أن العدو الصهيوني يمتلك عددا كافيا من القنابل النووية لتحقيق تدمير شامل في كل مدن المنطقة تقريبا ، كما تتوافر لديه وسائل توصيلها ، والتكنولوجيا المتقدمة للحرب الإليكترونية لفرض تعمية شاملة لكل رادرات المنطقة تقريبا .

وإذا كان السؤال المحوري الذي كان يؤرق الحكام ودوائر الحكم علي مر القرون هو : إذا أمكن وضع كل الحسابات الخاصة التي نراها مناسبة  لمواجهة التحديات الحالة والمحتملة ، فما هي أدوات حساب الإحتمالات التي لا تخضع للمعايير  المعروفة ؟.

تدرس أكاديميات الحرب في أغلب دول العالم  أن الصراعات حتي منتصف القرن السابع عشر الميلادي كانت تدار بمعيار " الحرب الشاملة " التي تستهدف كل ما لدي الخصم ، ليس فقط من قوات وإمكانيات عسكرية ، وإنما المقدرات الإقتصادية والبشرية ، أي " الاخضر واليابس " فعلا .

لذلك مثلا ، شهدت مسارح الصراع الديني / السياسي في أوروبا خلال ما أطلق عليه " حرب الثلاثين عاماً " ، دمارا وهلاكا كبيرا ، حيث قتل فيها ما يقرب من ربع سكان القارة العجوز ، خلال الفترة من 1618إلي 1648.

وقد اضطرت تلك القارة إلي البحث عن وسائل للحد من ذلك الأسلوب القتالي الذي لم يكن هناك في الكثير من الحالات ما يبرره من دواع عسكرية حقيقية ، فقد تكون قلاع الخصم قد سقطت ، واستسلمت آخر الحاميات المدافعة ، ومع ذلك كانت الجيوش التي انتصرت فعلا ، تقتحم المدن المهزومة وتمعن في التدمير والذبح والإغتصاب .

وتوصلت أوروبا بعد مفاوضات مجهدة إلي " صلح وستفاليا " ، الذي منح القارة الأوروبية سلاما هادئا لمدة تجاوزت قرن من الزمان . 

ومع ذلك ، عرفت القارة الأوروبية حربين عالميتين ، شهدت ضحايا بالملايين ، وتدمير غير مسبوق ، قبل أن تتوصل إلي توازن القوي الذي أعقب انتهاء الحرب العالمية الثانية .

الحرب القادمة ضد الكيان العنصري لا ينبغي أن تكون مثل أي حرب سابقة ، سواء من حيث التخطيط والتوقيت والأهداف الإستراتيجية وأهمها إجبار العدو علي التخلي عن النظرية الصهيونية العنصرية ، مثلما تخلي نظام جنوب إفريقيا عن نظرية الأبارتايد العنصرية .

تعليقات