منذ بداية عرض مسلسل "قهوة المحطة" وأنا بقول أنه عمل مختلف، دراما صيغت لتبقى، وليست لمجرد العرض في السباق الدرامي الرمضاني المحموم!
قهوة المحطة سبق وأشرت منذ البداية أنه عمل مميز، وده يمكن بعد مشاهدتي لأربع حلقات تقريبًا، لكني الآن أقول أنه أكثر من مجرد عمل متميز، أنه لمحة جميلة حقيقية وصادقة لدراما الواقع، عمل يذكرنا بإبداعات الراحل الكبير عاطف الطيب وملاحمه الخالدة في دنيا الواقعية!
مقتتح الحديث كان مع العنوان "قهوة المحطة"، حيث المكان الذي يجلس عليه كل الناس، بمختلف فئاتهم وطوائفهم، مكان يقصده الجميع، يجلسون به غرباء، قد ينظرون إلى بعضهم البعض، لكن لا أحد يعلم عن الآخر أي شيء!!
صناديق مقفلة، لا تستشف من وراء أقنعة الوجوه أي شيء، فالكل محمل بمشاكله وهمومه وأعباءه، بصراعاته، بنجاحاته و إحباطاته، بأحلامه وطموحاته، أغراب جمعهم القدر في مكان واحد، يجتمعون لوقت ما، ثم يتفرقون وهم مازالوا أغراب!
خلونا نبص لرمزية اسم البطل "مؤمن"، بطل العمل الرئيسي والمحرك للأحداث، الشاب الجنوبي الطموح، الذي أتى محملاً بكل الأمل والنشوة في تحقيق الحلم وبلوغ الهدف، المؤمن بما يراه ويفعله ويقوله، والذي يصرخ مستهجنًا في الحلقة العاشرة ويقول: هو ليه كل م بقول لحد حاجة يقولي خليك في حالك؟!
وكأنه ونتيجة إيمانه بمبادئه وطوباويته الشديدة يريد أن يغير الحال للأفضل، ولكنه يصطدم بالواقع مرارًا وتكرارًا، إلا أنه مازال "مؤمن"!
الكتاب الذي يحمله، وفي لمحة بديعة من صناع العمل، "المآسي الكبرى" لوليم شكسبير، حيث مآسي الإنسان، الكتاب الذي لم يفارق يديه حتى قُتل، وكأنما كان يخبرنا منذ البداية أنه مأساة إنسانية أخرى سوف تُضاف إلى هذه المآسي الأربع، مأساة سوف تخبرنا وتُنبئنا بما تخفيه صدور وقلوب أبطال وشخوص العمل!
قتل الشاب الجنوبي مؤمن في العمل أراه مجرد قتل معنوي، رمزية لموت الطموح والأحلام، ويجلعنا ببساطة نكشف المستور لهؤلاء الناس البسطاء المهمشين، الذي يعيشون على هامش الحياة، كيف يعيشون في هذا العالم، ومآسيهم الشخصية، وهمومهم ودنياهم!
هناك مقولة جميلة مفادها: أنت لا تعلم ماذا يدور في نفوس الناس إلا عندما يرفعون أيديهم إلى السماء .. وفي هذا العمل لم نكن لنعلم ما في نفوس هؤلاء البسطاء المهمشين إلا بالموت الرمزي لـ "مؤمن"!
كل شخصية ورائها حكاية كبيرة، مآساة إنسانية موجعة، يسردها ويصيغ حواراتها بألمعية وموهبة كبيرة عبد الرحيم كمال، وأراه هنا في هذا العمل قد تخلى كثيرًا عن الحوارات الفلسفية الكبيرة والعامة، والصوفية الملهمة التي كانت تُغلف أغلب أعماله السابقة، عبد الرحيم كمال في هذا العمل قد صاغ الحوار بواقعية شديدة، وإن كان لم يتخلى عن فلسفته الإبداعية!
في الحلقة الحادية عشر نجده يصيغ حوار على لسان بطل العمل مؤمن (احمد غزي)، وهو يتحدث مع السيناريست المحبط المهموم محمد نجم (أحمد ماجد)، وبه مصطلح أعجبني جدًا، ألا وهو "فخ الغُلب" بضم الغين!
فخ الغُلب اللي صاد الكل .. حيث فلسفة الغلابة في الحياة .. حوار ألمعي في منتهى الجمال في الحقيقة
وفي نفس الحلقة 11 في نهايتها كان هناك المشهد البديع الذي أداه بطل العمل (أحمد غزي) وذلك بعد أن انهارت وتحطمت كل أحلامه وطموحاته، فخرج بعدها ليؤدي مشهد شهير رأيناه جميعًا من قبل في فيلم "إسكندرية ليه"، والذي كان يجمع الكبير الراحل محمود المليجي والعبقري الراحل أحمد زكي، وهو بيطلب من عامل التوصيل أنه يسأله ويقوله: ومادام عارف إنك هتخسرها .. بتترافع عني ليه؟! ليؤدي بعدها كلمات المليجي الشهيرة .. والتي كانت تُختم بـ "وعايزني اكسبها"!!
في الحقيقة حلقة 11 دي في منتهى الجمال والبدع، وأحمد غزي من وجهة نظري فنان وموهوب كبير، بيفكرني بأحمد زكي جدًا .. وأتمنى أنه يكمل ويزود من موهبته ونشوفه نجم كبير مستقبلاً إن شاء الله لأنه في الحقيقة يستحق.
تتر العمل، اللي هو أغنية "يا وعدي ع الأيام" للخال أحمد منيب، بكلماتها البديعة التي نظمها عبد الرحيم منصور والتي تقول:
يا مراكب النسيان عدي في بحر اليوم
ما كنت يوم ندمان ولا عمري كنت بلوم
لكن قلبي كتوم
بضحك مع الأيام
بضحك و لو أحلام
مين .. مين قدها الأيام؟
يا وعدي ع الأيام
أغنية تنطبق كلماتها وحالتها على تفاصيل المسلسل البديع ده .. وكأنما صُنعت خصيصًا له
واختيار صُنَّاع العمل للتتر ده يدل على ذكاء وألمعية شديدة، وفهم وجيد لطبيعة العمل
حيث البسطاء الغلابة الذين يتحملون ما تصنعه بهم الأيام، وتجدهم يضحكون، ضحك كالبكا .. ولا ندري عن حالهم أي شيء!!
عمل واقعي بديع .. تحية لكل صُنَّاعه .. وأتمنى يكمل بنفس الجمال والبهاء ده
تعليقات
إرسال تعليق
أترك تعليق